فخر الدين الرازي

17

تفسير الرازي

زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) * ( الزمر : 21 ) والمراد كونه منبهاً على أمر المعاد . ورابعها : قوله : * ( ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلاً لما يقض ما أمره * فلينظر الإنسان إلى طعامه ) * ( عبس : 21 - 24 ) وقال عليه السلام : " إذا رأيتم الربيع فأكثروا ذكر النشور " ولم تحصل المشابهة بين الربيع وبين النشور إلا من الوجه الذي ذكرناه . المثال الثاني : ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن ، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال ، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن . وإذا ثبت هذا فنقول : ما جاز تكون بعضه لم يمتنع أيضاً تكون كله ، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) * ( الواقعة : 61 ) يعني أنه سبحانه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أولاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه . فوجب القطع أيضاً بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة . المثال الثالث : أنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق ، فلأن يكون قادراً على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان أولى ، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة ، منها في هذه الآية وهو قوله : * ( أنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) * وثانيها : قوله تعالى في سورة يس : * ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) * ( يس : 79 ) وثالثها : قوله تعالى : * ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) * ( الواقعة : 62 ) ورابعها : قوله تعالى : * ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ) * ( ق : 15 ) وخامسها : قوله تعالى : * ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى ) * ( القيامة : 36 ، 33 ) إلى قوله : * ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) * ( القيامة : 40 ) وسادسها : قوله تعالى : * ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ) * ( الحج : 5 ) إلى قوله : * ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) * ( الحج : 6 ، 7 ) فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور : الأول : أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني وهو قوله : * ( إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ) * كأنه تعالى يقول : لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة ، واختلافات متعاقبة ؟ والثاني : أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة . والثالث : أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة . فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر . والآية السابعة : في هذا الباب قوله تعالى : * ( قل كونوا حجارة أو حديداً * أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) * ( الإسراء : 50 ، 51 ) .